ابن كثير

137

البداية والنهاية

ثم على العلماء فتمحقت هذه الكتب وبيع أكثرها ، وقد كان ياقوت هذا لديه فضيلة وأدب وشعر جيد ، وكانت وفاته ببغداد في مستهل رجب ، ودفن بمقبرة الخيزران بالقرب من مشهد أبي حنيفة . ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة فيها كانت عامة أهل تفليس الكرج فجاؤوا إليهم فدخلوها فقتلوا العامة والخاصة ، ونهبوا وسبوا وخربوا وأحرقوا ، وخرجوا على حمية ، وبلغ ذلك جلال الدين فسار سريعا ليدركهم فلم يدركهم . وفيها قتلت الإسماعيلية أميرا كبيرا من نواب جلال الدين بن خوارزم شاه ، فسار إلى بلادهم فقتل منهم خلقا كثيرا ، وخرب مدينتهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم ، وقد كانوا قبحهم الله من أكبر العون على المسلمين ، لما قدم التتار إلى الناس ، وكانوا أضر على الناس منهم . وفيها تواقع جلال الدين وطائفة كبيرة من التتار ( 1 ) فهزمهم وأوسعهم قتلا وأسرا ، وساق وراءهم أياما فقتلهم حتى وصل إلى الري فبلغه أن طائفة قد جاؤوا لقصده فأقام يثبطهم ، وكان من أمره وأمرهم ما سيأتي في سنة خمس وعشرين . وفيها دخلت عساكر الملك الأشرف بن العادل إلى أذربيجان فملكوا منها مدنا كثيرة وغنموا أموالا جزيلة ، وخرجوا معهم بزوجة جلال الدين بنت طغرل ، وكانت تبغضه وتعاديه ، فأنزلوها مدينة خلاط وسيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية . وفيها قدم رسول الانبور ملك الفرنج في البحر إلى المعظم يطلب منه ما كان فتحه عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدين من بلاد السواحل ، فأغلظ لهم المعظم في الجواب وقال له : قل لصاحبك ما عندي إلا السيف والله أعلم . وفيها جهز الأشرف أخاه شهاب الدين غازي إلى الحج في محمل عظيم يحمل ثقله ستمائة جمل ، ومعه خمسون هجينا ، على كل هجين مملوك ، فسار من ناحية العراق وجاءته هدايا من الخليفة إلى أثناء الطريق ، وعاد على طريقه التي حج منها . وفيها ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي ، وخلع عليه كما هي عادة الحكام ، وكان يوما مشهودا . وفيها كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة وقل اللحم حتى حكى ابن الأثير : أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوى خروف واحد في زمن الربيع ، قال : وسقط فيها عاشر أذار ثلج كثير بالجزيرة والعراق مرتين فأهلك الأزهار وغيرها ، قال : وهذا شئ لم يعهد مثله ، والعجب كل العجب من العراق مع كثرة حره كيف وقع فيه مثل هذا . وممن توفي فيها من الأعيان : جنكيزخان السلطان الأعظم عند التتار والد ملوكهم اليوم ، ينتسبون إليه ومن عظم القان إنما يريد هذا

--> ( 1 ) وذلك في مدينة دامغان بالقرب من الري ( انظر ابن الأثير 12 / 470 ) .